السيد محمدحسين الطباطبائي

47

الإعجاز والتحدى في القرآن الكريم

عدمه ، فإنّ الوحي والتكليم الإلهي وما يتلوه من التشريع والتربية الدينية مما لا يشاهده البشر من أنفسهم والعادة الجارية في الأسباب والمسببات تنكره فهو أمر خارق للعادة وقانون العليّة العامّة لا يجوّزه ، فلو كان النبي صادقا في دعواه النبوّة والوحي كان لازمه أنّه متّصل بما وراء الطبيعة ، مؤيد بقوّة إلهيّة تقدر على خرق العادة وأنّ اللّه سبحانه يريد بنبوّته والوحي إليه خرق العادة فلو كان هذا حقّا ولا فرق بين خارق وخارق كان من الممكن أن يصدر من النبي خارق آخر للعادة من غير مانع وأن يخرق اللّه العادة بأمر آخر يصدّق النبوّة والوحي من غير مانع عنه فإنّ حكم الأمثال واحد فلئن أراد اللّه هداية الناس بطريق خارق للعادة وهو طريق النبوّة والوحي فليؤيّدها وليصدّقها بخارق آخر وهو المعجزة . وهذا هو الذي بعث الأمم إلى سؤال المعجزة على صدق دعوى النبوة كلما جاءهم رسول من أنفسهم بعث بالفطرة والغريزة وكان سؤال المعجزة لتأييد الرسالة وتصديقها لا للدلالة على صدق المعارف الحقة التي كان الأنبياء يدعون إليها ممّا يمكن أن يناله البرهان كالتوحيد والمعاد ونظير هذا ما لو جاء رجل بالرسالة إلى قوم من قبل سيدهم الحاكم عليهم ومعه أوامر ونواه يدعيها للسيد فإنّ بيانه لهذه الأحكام وإقامته البرهان على أن هذه الأحكام مشتملة على مصلحة القوم وهم يعلمون أن سيدهم لا يريد إلّا صلاح شأنهم ، إنّما يكفي في كون الأحكام التي جاء بها حقة صالحة للعمل ، ولا تكفي البراهين والأدلّة المذكورة في صدق رسالته وأن سيدهم أراد منهم بإرساله إليهم ما جاء به من الأحكام بل يطالبونه ببيّنة أو علامة تدلّ على صدقه في دعواه ككتاب بخطه وخاتمه يقرءونه أو علامة يعرفونها ، كما قال المشركون للنبي حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتاباً نَقْرَؤُهُ « 1 » . فقد تبيّن بما ذكرناه أولا : التلازم بين صدق دعوى الرسالة وبين المعجزة وأنّها الدليل على صدق دعواها لا يتفاوت في ذلك حال الخاصّة والعامّة في دلالتها وإثباتها وثانيا أن ما يجده الرسول والنبي من الوحي ويدركه منه من غير سنخ ما نجده بحواسنا وعقولنا النظرية الفكرية فالوحي

--> ( 1 ) الإسراء - 93 .